انفجر الفجر فارتفع صوت المؤذن بأذان الصبح
يُؤذن الناس بالقيام إلى الصلاة , فخرج الرجال يمشون في طرقات هذه المدينة الهادئة
يأمون بيت الله لأداء فريضته , و قامت النساء في خدورهن يصلون الفجر في خشوع , فما
أن انتهين حتى انصرفن يعدون الإفطار لأزواجهم و أولادهم قبل أن يذهبوا إلى
أعمالهم و حقولهم.
ارتفعت الشمس و ألقت بأشعتها الذهبية على هذه
المدينة الآمنة المطمئنة القابعة في هذا الوادي الساحر في سفوح جبال الأناضول
فلمعت في عيون الديكة التي صاحت تُعلِم الناس بميعاد الخروج إلى العمل , فخرج
الناس من بيوتهم هذا قد اصطحب معه أولاده ليُعَلِّمَهم التجارة و ذاك يجر ماشيته
إلى الحقل ليحرث بها الأرض , في حين قامت النساء تَقُم بيوتها و تصلح من شئنها و
تُعِد الطعام لأزواجهن حالما يعودوا من العمل في الظهيرة.
فما راع أهل المدينة إلا هذا الجيش العرمرم الذي
انساح عليهم كالسيل العَرِم يأخذ كل ما يقف في وجهه , فلا يدع حجر على حجر و لا
يُبقي على حيوان أو بشر ... جيش هائل قد سد الأفق انحدر عيهم من الناحية الغربية
ناحية القسطنطينية هذه المدينة العتيقة التي طالما خرجت منها الجيوش لحرب الإسلام
و المسلمين ... جيش قد اختلطت فيه الألوان و الأجناس فترى فيه الرومي البيزنطي و ترى
فيه الأوروبي اللاتيني و الروسي الأبيض ...
قد اختلفت ألوانهم و أشكالهم و لكن اتحدت قلوبهم
و نياتهم على حرب الإسلام و استباحة بيضته و استئصال شأفته. و عبثاً حاولت حامية
المدينة صغيرة العدد و السلاح عظيمة الإيمان و الكفاح أن تصد العدوان و توقف هذا
الظلم و الطغيان و تدافع عن أهليهم و أعراضهم و أموالهم فخرجوا لهم على مشارف
المدينة و قد علموا أنهم من على هذه الأرض يبعثون بعد أن يكونوا لقوا الله شهداء
... فكيف لبضعة مئات من الرجال ليس معهم إلا سيوفهم أن يصدوا جيشاً كامل من مئات
الآلاف بحدهم و حديدهم. فما هي إلا ساعة من نهار حتى كانت حامية المدينة قد أبيدت
عن بكرة أبيها و لم بيق منها رجل واحد ...
أصبح الطريق خاويا للجيش البيزنطي لدخول مدينة
ملاذكرد تلكم المدينة الساحرة في شرقي شبة جزيرة الأناضول ... فانطلق الجنود
ييعيثون في الأرض الفساد فأتوا على الأخضر و اليابس , فحرقوا البيوت و نهبوا
الأموال , قتلوا الرجال و سبوا النساء و لم يرحموا الشيوخ الركع و لا الأطفال
الرضع.
فأضحت المدينة الهادئة العامرة صاخبة مُدَمَّرَة
و قد ارتفعت فيها صرخات الثكالى و آهات الجرحى و أنّات اليتامى , و لم يبق بيت إلا
و قد أصابته نار الحقد الصليبي فأتت عليه كله أو بعضه. فلما حلّ المساء ذهب الجنود
كلٌ ينظر في نصيبه من الغنائم مما سرقوا من أموال المسلمين و سبوا من نسائهم دخل
أرمانوس إمبراطور بيزنطة على جواده الأبيض المطهم بالحلي و الجوهر في كوكبة من
بطارقته و قادته إلى المدينة بعد أن جائته الرسل أن جنده قد أتوا على ما فيها, و
توجه مباشرة إلى دار الحكم و الإمارة في المدينة ...
لما استقر على كرسي الأمير و التف حوله من جاؤا
معه أطلق ضحكة عالية ساخرة قائلاً: كم أعجبني هذا المنظر التي رأيته الآن و يسوع
الرب لا أرجع حتي أحرق كل بلاد المسلمين وأفسدها عليهم ولقد أقسمت أن أدخل
قصر الخليفة القائم بالله في بغداد.
فرد عليه قائد جنده قائلا: أجل يا سيدي لا نرجع
حتى نبيد المسلمين و ندخل قصر الخلافة في بغداد و قد اجتمع لنا اليوم جيش عظيم لم
يجتمع لنا مثله من قبل و لا أظن المسلمين قادرين على صدنا بحال من الأحوال.
التفت أرمانوس إلى كبير بطارقته
"ألفونسو" قائلا له: لابد لنا من توزيع الإقطاعات و المدن التي سنأخذها
من المسلمين على البطارقة و قادة الجند من الآن حتي نستثير حماستهم في
القتال.
رد ألفونسو: نعم يا سيدي فكرة حسنة. فقال
أرمانوس فماذا تقترح. قال ألفونسو أنا أقترح أن تعطي يوليوس أرمينية
وأذربيجان , وسُقراطس الجزيرة الفراتية و أرسطو الموصل ثم يسكت ألفونسو
و ينظر إلى أرمانوس نظرة ذات مغزى. فيبتسم أرمانوس و يقول ماذا يا ألفونسوا يبدو
أنك تريد بغداد انفسك , يتنحنح ألفونسو ويقول : سيدي القيصر شديد
الذكاء ...
فيضحك أرمانوس ويقول : لا بأس يا
ألفونسو ولكن علي أن تستوصي بهذا الشيخ القائم بالله خليفة المسلمين خيرا فهو
صاحبنا ولنا معه عهد ... يضحك الإثنان بصوت عال ويقول ألفونسو أمرك يا
سيدي.
ثم تحين من أرمانوس إلتفاتة إلى ناحية من
ناحية المجلس و يشرد ببصره قليلا ثم يقول بصوت خافض خاشع: أريد أن أري كيف سيقف
" ألب أرسلان " في وجه هذا الجيش الجرار وأنا أقسم أن أفعل به كل قبيح
حين يقع أسيرا في يدي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق